الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
77
تفسير روح البيان
فقالوا أيها الملك اجر لنا النيل فقال إني لست براض عنكم حتى قالوا ذلك ثلاث مرات فذهبوا فأتوه فقالوا أيها الملك ماتت البهائم وهلكت الصبيان والابكار فإن لم تجر لنا النيل اتخذنا الها غيرك فقال لهم اخرجوا إلى الصعيد فخرجوا فتنحى عنهم بحيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه والصق خده بالأرض وأشار بالسبابة فقال اللهم إني خرجت إليك خروج العبد الذليل إلى سيده وانى اعلم أنه لا يقدر على اجرائه غيرك فاجره فقام فجرى النيل جريا فاتاهم فقال لهم انى أجريت لكم النيل فقال خروا له سجدا يقول الفقير هذا لا يدل على ايمان فرعون وذلك لان الايمان وان كان عبارة عن التصديق والإقرار وصاحبه ينبغي ان لا يكون كافرا بشئ من افعال الكفر وألفاظه ما لم يتحقق منه التكذيب والإنكار الا ان من المعاصي ما جعله الشارع امارة التكذيب ومنه دعوة فرعون إلى عبادة نفسه ورضاه عن سجود قومه له ونحو ذلك فمع ذلك لا يكون مؤمنا البتة قالوا عرض له جبريل يوما فقال أيها الملك ان عبدا ملكته على عبيدي وأعطيته مفاتيح خزائنى وعادانى وأحب من عاديته وعادى من أحببته فقال له فرعون لو كان لي ذلك العبد لغرقته في بحر القلزم فقال جبريل أيها الملك اكتب لي بذلك كتابا قال فدعا بدواة وقلم وقرطاس فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه ان يغرق في البحر فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه فقال جبريل هذا ما حكمت به على نفسك قالوا نكب عن الايمان اى عدل واعرض عنه أو ان بقاء التكليف والاختيار وبالغ فيه حين لا يقبل حرصا على القبول حيث كرر المعنى الواحد ثلاث مرات بثلاث عبارات حيث قال أولا آمنت وقال ثانيا لا اله الا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وقال ثالثا وانا من المسلمين وكانت المرة الواحدة كافية حين بقاء التكليف والاختيار وايمان اليأس موقوف من جهة الرد والقبول وان كان من مقام الاحتضار فمردود وإلا فلا والاحتضار لا يكون الا في النفسين من الداخل والخارج كما في أسئلة الحكم وهو مقبول عند الامام مالك حكما بالظاهر كالمؤمن عند سل السيف والمؤمن عند إقامة الحد عليه يقبل إيمانه وعلى هذا بنى كلامه حضرة الشيخ الأكبر المالكي في الفصوص ذهب إلى ايمان فرعون ثم فوض فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ اى نبعدك ونخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنوا إسرائيل ويتحققوا بهلاكك . والنجوة المكان المرتفع الذي تظن انه نجاؤك لا يعلوه السيل بِبَدَنِكَ الباء للمصاحبة كما في قولك خرج زيد بعشيرته وهذه الباء يصلح في موضعها مع وهي مع مدخولها في موضع الحال من ضمير المخاطب اى ننجيك ملابسا ببدنك فقط لامع روحك كما هو مطلوبك فهو قطع لطمعه بالكلية أو كاملا سويا من غير نقص لئلا يبقى شبهة في انه بدنك أو عريانا من غير لباس أو بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها والعرب تطلق البدن على الدرع قال الليث البدن الدرع الذي يكون قصير الكمين لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً لمن وراءك علامة وهم بنوا إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم انه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على ممرهم من الساحل قصيرا احمر كأنه ثور إذ يروى ان قامته كانت سبعة أشبار ولحيته ثمانية أشبار أو لمن